ابن تيمية

68

مجموعة الرسائل والمسائل

العلم والقدرة وغيرة ذلك هو مقرون بالحاجة والحدوث والإمكان لم يحب أن يكون لله ذات ولا صفات ولا أفعال ، ولا يقدر ولا يعلم ، لكون ذلك ملازماً للحاجة فينا . فكذلك الرحمة وغيرها إذا قدر أنها في حقنا ملازمة للحاجة والضعف لم يجب أن تكون في حق الله ملازمة لذلك . وأيضاً فنحن نعلم بالاضطرار أنا إذا فرضنا موجودين أحدهما يرحم غيره فيجلب له المنفعة ويدفع عنه المضرة ، والآخر قد استوى عنده هذا وهذا وليس عنده ما يقتضي جلب منفعة ولا دفع مضرة كان الأول أكمل . فصل وأما قول القائل : الغضب غليان دم القلب بطلب الانتقام : فليس بصحيح في حقنا بل الغضب قد يكون لدفع المنافي قبل وجوده فلا يكون هناك انتقام أصلاً . وأيضاً فغليان دم القلب يقارنه الغضب ليس أن مجرد الغضب هو غليان دم القلب ، كما أن الحياء يقارن حمرة الوجه والوجل يقارن صفرة الوجه ، لا أنه هو ، وهذا لأن النفس إذا قام بها دفع المؤذي فإن استشعرت القدرة فاض الدم إلى خارج فكان منه الغضب وإن استشعرت العجز عاد الدم إلى داخل فاصفر الوجه كما يصيب الحزين . وأيضاً فلو قدر أن هذا هو حقيقة غضبنا لم يلزم أن يكون غضب الله تعالى مثل غضبنا ، كما أن حقيقة ذات الله ليست مثل ذاتنا ، فليس هو مماثل لنا لا لذاتنا ولا لأرواحنا ، وصفاته كذاته . ونحن نعلم بالاضطرار أنا إذا قدرنا موجودين أحدهما عنده قوة يدفع بها الفساد والآخر لا فرق عنده بين الصلاح والفساد كان الذي عنده تلك القوة أكمل . ولهذا يذم من لا غيرة له على الفواحش كالديوث ، ويذم من لا حمة له يدفع بها الظلم عن المظلومين ، ويمدح الذي له غيرة يدفع بها الفواحش وحمية يدفع بها الظلم . ويعلم أن هذا أكمل من ذلك . ولهذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم الرب بالأكملية في ذلك فقال في الحديث الصحيح " لا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن " وقال " أتعجبون من غيرة سعد ؟ أنا أغير منه والله أغير مني " .